معلومات عن الكاتب
   
الاسم : سمير اليوسف
العمر :
الدولة :
السيرة الذاتية :

 

  • الحالي 2.14/5
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
التقييم: 2.1/5 (7 أصوات)

 

الوجه الآخر

9 أبريل 2009

ا

لوجه الآخر
بقلم: "روكسانا روبنسون"
ترجمة: سمير اليوسف
عمان-الأردن

(1)
حدث ذلك في سان سلفادور قبل فترة ليست طويلة. عادت "كريستينا" بعد أن تناولت طعام الغداء برفقة والدتها "إلفيرا" وصديقة والدتها "كونسيولا" في سيارة "كريستينا" الفاخرة حيث جلس الجميع في المقعد الخلفي، بينما بقي السائق وحيداً في المقعد الأمامي.
أوصلت "كريستينا" والدتها إلى منزلها. تسكن والدة "كريستينا" في شارع عريض محاط بأسوار عالية من الجبص وبوابات ضخمة. يملك جميع الجيران بوابات كبيرة تفتح بالكهرباء. تتوجه السيارة مباشرة إلى الباب الخارجي حيث يقوم السائق بالضغط على زر جهاز التحكم عن بعد، ليفتح الباب على مصراعيه للداخل، وما أن تدخل السيارة حتى تنغلق البوابة أوتوماتيكياً. جميع الأسوار في سان سلفادور مرتفعة. في الماضي، كانوا يضعون الزجاج المكسور على أعلى السور ليكون بمقدور هذه الأسنان البارزة من منع الناس من تسلقها، أما الآن فقد استبدل بالزجاج المكسور أسلاكاً كهربائية، لكن كثير من المشاكل ظهرت بعد قيام الثورة.
توقفت سيارة "كريتسينا" في شارع "إلفيرا" النظيف الهادئ. حيث جميع البوابات مرتبة، وجميع الأسوار الجبصية المرتفعة مدهونة حديثاً. أما الأبواب فكانت جميعها مغلقة بإحكام. توجه السائق بسيارته ببطء بعيداً عن البنايات باتجاه منزل "إلفيرا"، توقفت السيارة التي لم يشاهدها أحد في منتصف الطريق إلى المنزل، فقد قالت "كريستينا" للسائق في منزل والدتها أن يتوقف بجانب ممر المشاة، ليكون بمقدور والدتها و "كونسيولا" من النزول.استمرت "كريستينا" بالتقدم لم يدخلا البوابة الرئيسية الكبيرة، فقد دخلت السيدتان من الباب الجانبي للشارع الصغير الذي يقع مباشرة إلى جانب ممر المشاة.
"بور اكو.. بور اكو.. بور اكو" قالت "كريستينا" بسرعة للسائق. فهي ترى جميع الأشياء بسرعة، وتتحرك بسرعة، وتتحدث بعجلة من أمرها. إنها على قدر كبير من الجمال، بشعرها الأسود الغامق، وعينين واسعتين سوداوتين لامعتين، ووجه بيضوي صغير، وأنف حاد. أما الجفنين النحيلين فقد كانا يتدليان ليكشفا عن نظرة أرستقراطية ناعسة. لقد كانت "كريستينا" تقاسمني الحجرة الخشبية في المدرسة.
ذهبنا "كريستينا" وأنا إلى مدرسة البنات نفسها، خارج فيلادلفيا، على الشارع الرئيس. قدمنا من عوالم مختلفة، فأنا ترعرعت في الريف، في بنسلفانيا الغربية، وكانت والدتي تعمل أمينة مكتبة في المدرسة الابتدائية، بينما كان والدي طبيباً. عشنا في بيت المزرعة القديم المشيد من الحجارة، والمظلم من الداخل بنوافذه الصغيرة. كنت أنا الطفلة الوحيدة لهذه العائلة، كنا نجلس ثلاثتنا للعشاء في كل مساء حول طاولة دائرية مصنوعة من الخشب في المطبخ. كانت والدتي تقوم بالدعاء بينما كنا جميعاً نحني رؤوسنا، وعندما نرفعها، كنت أسكب لكل واحد منا كوباً من الماء. أما الوعاء الذي كنت أسكب منه فقد كان مصنوعاً من الخزف الصيني ذو اللون الأزرق الغامق. من عادة والدي أنه قليل الكلام على الطعام. كان منزلنا يتسم بالهدوء في الداخل، وفي الخارج كانت السهول ممتدة. كنت أشعر في المساء بأن منزلنا الصغير المضاء يقف وحيداً في هذه الأرض الفسيحة ذات الحقول المظلمة، ونحن ثلاثتنا في داخله.
نشأت على إطاعة الأوامر وأن أكون جيدة المسلك، وهكذا كنت، وقد فعلت. لم أستطع أن أتصور هؤلاء الذين ينتهكون المعتقدات التي نشأنا عليها. فتلك القوانين كان لها أهمية خاصة عندنا، بينما كانت الأكاذيب لا تطاق. كنت جيدة في المدرسة، لكن لم أكن جيدة بما فيه الكفاية لأكون ناجحة في كل شيء، (كنت طالبة متوسطة)، ولكنني لم أكن سيئة. أسوأ شي فعلته عندما كنت أتسلل إلى الخارج في "هالوين" كي أقوم بخدعة في شوارع "برين ماور" المظلمة، حاملة كيس الوسادة ضاربة به مقدمة الأبواب. لم يسبق لي أن كذبت على معلماتي أو تسللت لأقابل الأولاد في الخارج، أو غششت في الامتحان، أو تناولت الكحول، أو شربت سجائر "المارجوانا"، أو عملت شيئاً خاطئاً. كانت هذه الأشياء بعيدة عني، بعيدة من أن تصلني. فقد حمتني القوانين التي كنت مقتنعاً بها داخل قيودها.
لكن "كريستينا" انحدرت من عائلة كبيرة، ومكان دافئ، لم أكن قد تخيلته. وكانت تكسر أي قانون تريد كسره، فقد كانت تحضر الفودكا إلى غرفتنا في المدرسة مباشرة إلى مكتبها. كانت بزجاجتها الفاخرة تشبه إلى حد كبير مدبرة المنزل. تنظر مباشرة إلى عيني معلمتها وتكذب إلى أين تريد أن تذهب في عطلة نهاية الأسبوع، تكذب في الطريقة التي سوف تصل بها إلى ذلك المكان، ومن ستشاهد هناك، تفعل كل ذلك بكل جرأة وحزم يبهرني. كانت متأكدة من القوانين التي ترغب في خرقها والأشياء التي تريد عملها. لم تكن لتهتم بمرحلة عمرها أو بأمنها، أو طريقة معيشتها مقارنة مع آمال الآخرين. كل ذلك لم يكن مهماً بالنسبة لها، سوى الأشياء التي ترغب في عملها مثل الذهاب إلى "برنكتون" في عطلة نهاية الأسبوع، أما الأشياء التي لا ترغب في عملها مثل الواجب البيتي فلم تعرها أية أهمية.
بعد أن تخرجنا، ذهبت أنا إلى الجامعة بينما عادت "كريستينا" أدراجها إلى سان سلفادور. كانت تضحك كثيراً عندما كنت أحدثها عن الجامعة.
"هل تمزحين؟" قالت. "لا يوجد لديك فكرة عما يحدث هناك، فلن يذهب أي أحد من معارفي إلى الجامعة".
"لكن ماذا ستفعلين بالمقابل" تساءلت.
" نصفف شعرنا، ونعتني بأظافرنا" نظرت إلي وضحكت مرة أخرى.. "ما علينا عمله هو تبادل الزيارات، نذهب لزيارة الأصدقاء في منازلهم الريفية لبعض الوقت، ويأتون ليمكثوا معنا في منزلنا الساحلي. نذهب إلى مربي الماشية في الأرجنتين، ونذهب إلى ريو ، إننا مشغولون! هذا يستغرق منا معظم وقتنا".
"ثم نتزوج" أضافت.
كانت "كريستينا" تجلس في فراشها عارية وهي تحدثني بذلك، تحيط رأسها بمنشفة خمرية، بينما المنشفة الأكبر والأسمك تلف بها جسدها، وقد وضعت طرفيها فوق بعضهما البعض تحت إبطها الأيسر. كانت سيقانها ملساء ناعمة بعد أن نزعت عنهما الشعر، ولونت أظافر قدميها بعناية شديدة، واضعة قليلاً من القطن بين أصابع قدميها. كان لديها زجاجة ذات لون قرمزي لصقل الأظافر، ولون أساس ولون نهائي، وزجاجات مزخرفة فيها أشياء كثيرة. مرطبات، زيوت، وغسول. كانت تبدو كما لو أن متخصصة تقف خارج الغرفة للحظات في منتصف عملها في العناية بأصابع قدمي "كريستينا".
لم يسبق لي أن اهتممت بأصابع قدمي في المدرسة، وحتى هذا اليوم، لم أقم بالعناية بأصابع قدمي. كانت قدماي كبيرتين وغير مألوفتين، أما أن أضع لوناً قرمزياً على أصابع قدمي فهو خطأ بحد ذاته، كما لم يساعدني أحد على تعلم ذلك. فقد أحببت الطريقة التي تستخدمها "كريستينا" في تلوين أظافر قدميها باللون القرمزي، والطريقة التي تستخدم فيها اللون اللامع في أي مكان، أو في كل مكان، أو حتى حيثما تريد.
تزوجت "كريستينا" بعد سنتين من تخرجنا من المدرسة، لقد قدمت لي الدعوة لحضور حفل زفافها، لكن ذلك كان خلال فترة الامتحان النهائي، فلم أتمكن من الذهاب. في الحقيقة، لم يسبق لي أن ذهبت لزيارتها. لقد تبادلنا الرسائل لسنوات قليلة، ولكن "كريستينا" لم تهتم بالكتابة. بعد أن توقفنا من تبادل الرسائل، كانت تبعث لي ببطاقة عيد الميلاد. في كل عام كنت أدقق النظر في صورة عائلتها، "كريستينا" تبدو في غاية الجمال، بفتنتها، وبشرتها السمراء اللامعة، وشعرها الأسود الكثيف، وعينيها الناعستين. يقف إلى جانبها زوجها الأنيق، "كارلوس" الذي كانت تلفظه "كار..لوس" بلثغة جميلة في منتصف مقطعي اسمه، كان كارلوس هو الآخر أسمر البشرة، بوجه دائري، وحاجبين جميلين، ضخمين، وعينين براقتين. أما الأطفال فقد كانوا يشبهون إلى حد ما "كريستينا"، ابنتان وولد. كنت أراقبهم من خلال بطاقات "كريستينا" وهم يكبرون ويتحولون ليشبهوا "كريستينا"، بذقونهم الحادة، وأجسادهم الصغيرة الجميلة الناعمة، مبينة صورهم الحيوية. كنت اعرف أسماءهم: "أناليسا"، و"جورج"، و"إلينتا".عندما كنت أفكر في "كريستينا" كنت أهمس بأسمائهم لنفسي: "أناليسا"، و"جورج"، و"إلينتا".كان لأسمائهم إيقاع خفيف كما كانت تبدو حياة "كريستينا".
تزوجت بعد التخرج من الجامعة، واعتقدت بأنني سوف يكون لدي أطفال أيضاً. كنت أرسل بطاقات موسمية إلى "كريستينا" تتضمن غزال الرنة، أو غابة مكسوة بالثلوج، وأحياناً صوراً فوتوغرافية لـ "مارك" ولي. في كل عام كان يحدوني الأمل أن أضيف عبارة إلى بطاقاتي: "العام القادم سنكون ثلاثة". كنت أتخيل كتابة مثل هذه العبارة. وأتصور طرقاً مختلفة لتكون عبارتي هذه شيئاً ذا حيوية، أو مفرحاً، أو حتى ذكياً. صورة لنا الاثنين وعبارة على ظهرها: "كم عدد الأشخاص الموجودين في هذه الصورة؟ خطأ".
لم تحضر "كريستينا" حفلة زفافي، لأنها كانت حامل بطفلها الأول، كتبت لي أنها كانت ضخمة ولا تستطيع السفر، وكتبت لي أيضاً أنها لا تستطيع الحركة، ابتسمت وأنا أقرأ ذلك، متخيلاً "كريستينا" كبيرة الحجم كالبيت، مستلقية مثل حوت متعب واهن على الأريكة في البلكونة. وشجيرات بأوراق طويلة ومارد مسجون في جرة في كل ناحية. أعجبتني الصورة التي تخيلتها وهي شبه نائمة ومنتفخة. هكذا كانت هي، فكرت في نفسي مع قليل من الرعشة لهذا الحدس. سوف أعرف عن ذلك في الحال: غثيان في الصباح، إجهاد، وكاحل منتفخ.
عندما علمت بذلك كانت قد أصبحت حاملاً مرة أخرى، بعد ثلاث سنوات، شعرت بعظم الصدمة. يبدو من غير العدل أن تحمل مرة ثانية قبل أن أكون أنا حاملاً بالمولود الأول. وقد حدث ذلك للمرة الثالثة. شاهدت انتفاخ بطنها في بطاقة عيد الميلاد في تلك السنة، ويد تستلقي بعفوية على أعلى بطنها. شعرت أنها خدعتني وضللتني، إنها لم تحترم الوعد الذي قطعته على نفسها لي. لقد أحببت "كريستينا" ولم أحسدها لأن لديها أطفالاً، ولكن عندما فعلت ذلك شعرت بغياب أطفالي.
كانت "كريستينا" تتساءل في بطاقات أعياد الميلاد عن موعد ذهابي لزيارتهم، واعتقدت لسنوات عدة أنه بمقدوري عمل ذلك. ولكنني لم أجد الوقت المناسب. لذلك أبقيت على "كريستينا" و"كارلوس" والأطفال الثلاثة في رأسي. كنت أتخيلهم يعيشون بترف بمدينة كولونيالية، ومنازل من الحجر، وممر واسع محاط بالأعمدة ، وأشجار نخيل، وأزهار قرمزية تتناثر في كل مكان.
عندما علمت بالثورة، والقتل، والاعتقالات، والمفقودين، قلقت. كتبت إلى "كريستينا" مرتين ولم أتلق أي رد على رسائلي. تمنيت أن يكونوا قد استطاعوا الانتقال إلى "غواتيمالا"، حيث عائلة "كارلوس" وله حصة في العمل هناك، أو أي مكان آخر بعيداً عن المخاطر. فقد انحدر كلاً من "كريستينا" ، و"كارلوس" من عائلتين ثريتين، وكما يبدو فإن جميع معارفهم أغنياء. فالغنى عبارة عن درع ضخم لامع من الحماية فوق رؤوسهم يقيهم من كل شيء، من الذهاب إلى الجامعة، ومن المشي في منتصف الليل مع طفل يبكي، ومن حمل النقود، ومن الوقوف في الطابور في السوق، ومن البحث عن مواقف لسياراتهم. ولكن بعد الثورة، أصبح من الواضح أن للأغنياء وضعاً مختلفاً. فالغنى أصبح كالإشارة التي تظهر استمرار الكراهية، فاصبحوا غير محصنين من الخوف، كما لو أنهم تروس تتلقى قذائف صاروخية من الكراهية التي تلاحقهم في أي اتجاه يذهبون، لا شيء بمقدورهم أن يفعلوا سوى محاولة حماية أنفسهم.
كنت أتمنى أن تكون "كريستينا" وعائلتها في مكان آمن، اكتشفت ذلك لاحقاً، فقد ذهبوا إلى "غواتيمالا".
توجهت العائلة بعد ذلك بكاملها إلى نيويورك لمدة أسبوع قبل عيد الميلاد، هاتفتني "كريستينا" ووضعنا موعداً لكي نلتقي على الغداء. كانت نشطة كما في السابق، حيوية ونشاط وغرابة. كانت ملابسها أقل بهاءً من ملابس نساء نيويورك، ومجوهراتها أكثر لمعاناً، وضعت يديها على كتفي وقبلتني على الوجنتين.
"جوليه" .. قالت. "تبدين رائعة".
لم أبدُ رائعة، أعرف ذلك، إنني أتذمر، وأبدو شاحبة بجلد يكسوه النمش. أصبحت في منتصف العمر، أرتدي التنانير حتى أسفل الركبة، شعري لا يزال كما كان وأنا في المدرسة، وأكتاف أعرض، مرتدياً على مؤخرة رأسي رباطاً على شكل جلد سلحفاء. حتى عندما كنت أفكر في لبس الأقراط ، كما كنت أفعل في تلك الأيام، كانت تبدو كما لو أنني قد استعرتها من شخص ما. هكذا كنت أبدو دائماً. لم يكن لدي الرغبة في ارتداء ملابس ضيقة متلألئة، أو مطاطية زاهية الألوان. عندما كنت أرتدي مثل هذه الملابس في المدرسة كنت أشعر أنني أرتكب خطأ ما، كنت أعتقد أنه يجب علي أن أقوم بعمل لاختار أخلاقي، وهذا على ما يبدو هو الذي جعلني ألوذ في الجانب الصحيح. كنت أفكر بأنني يجب أن أمنح جائزة على الملابس المتزنة، لا يمكنني أن أتغير الآن، هذه هي الطريقة التي أعرفها في ارتداء ملابسي.
***

(2)

أنا امرأة مطلقة الآن، فقد تزوج "مارك" وسكن في "سان فرانسيسكو" حيث يعمل مع شركة برمجيات ، وأصبح عنده طفلان "ذكور"، أعتقد أنني لن أسمع عن أخباره لسنوات، لأنه لا يوجد لدينا سببٌ للتحدث مرّة أخرى. لا شيء يجمعنا الآن سوى الألم.
مجرد النظر إلى الفترة التي قضيناها معاً تشبه النظر إلى نفق مظلم من الأسى، والعنف اللانهائي، بدون مغالاة فإن مجرد التفكير باسمه تعيد ني الذاكرة إلى الشقاء.
اعتقدت أنني سوف أعيش مع ذكرياتي ولم أكن أتوقع أن تتغير. كنت أعيش في شقة صغيرة في "مري هيل"، حيث أدير المؤسسة الفنية التي تعود ملكيتها إلى العائلة والتي كانت تختص في تعليم الموسيقى، وقد كنا نقدم 50 ألف دولار كمنح دراسية. كنا نتحقق من الأشخاص الذين نقدم لهم مثل هذه المنح بحرص، حيث نقوم بزيارة ميدانية للموقع، ونلتقي مع متلقي مثل هذه المنح، وكنا نتحدث مع أناس آخرين للتأكد من البيانات والحصول على المعلومات، كان همنا أن نشعر أننا فعلاً نقدم هذه المنح لمن يستحقونها. وأريد أن أشعر أنني اقدم لهم ما يستحقونه فعلاً.
أحاول دائماً أن أكون عادلة وفي محل ثقة. تساءلت مرة فيما إذا كانت هذه هي الطريقة التي يسلكها الآخرون ويعملون بها. في المدرسة كنت دائماً مندهشة لأن "كريستينا" كانت تفلت من أفعالها، كنت واثقة من أن "كريستينا" سوف تواجه شيئاً ما في المستقبل، في تلك اللحظات كنت أغتاظ من الشجاعة المذهلة التي كانت تتظاهر بها.
أذكر في إحدى عطل نهاية الأسبوع المدرسية من عامنا الأول، حين وقفت "كريستينا" بهدوء في القاعة الأمامية للمدرسة على السجادة الشرقية، بالقرب من حقيبتها الضخمة. مرتدية ملابس برتقالية جديدة في انتظار سيارة الأجرة التي سوف تحملها وحقيبتها إلى محطة القطار. "الآن دعينا نتأكد كريستينا، هذا هو اسم عمّك (الفيرد باتشيكو)؟" قالت الآنسة "ونستون" مديرة المنزل وهي ترفع نموذج عطلة نهاية الأسبوع الذي دونت فيه المعلومات. كانت الآنسة "ونستون" فتاة مرحة، طويلة، نحيلة، وفاتنة، بنظارات سوداء تستقر بعناية تحت شعرها الرمادي، وظهر مستقيم. "هذا صحيح آنسة ونستون" قالت "كريستينا" وهي تبتسم بمرح لمدبرة المنزل. كان حذاء "كريستينا" وكتابها متشابهان، فكلاهما بني غامق، وشعرها اللامع مفعماً بالحيوية، وتضع وشاحاً بنياً وبرتقالياً حول عنقها.
"وهو يعيش في فيلادلفيا، في هذا العنوان؟" قالت الآنسة ونستون ذلك وهي تنظر إلى البطاقة التي في يدها.
"هذا صحيح" أجابت كريستينا، "لقد دونت رقم هاتفه، سوف أكون هناك"، إنها ذاهبة إلى "برينكتون" لحفلة عائلية في نهاية الأسبوع.
"حسنا" قالت الآنسة "ونستون" وهي تمعن النظر في البطاقة، "يبدو هذا جيداً".
اقتربت سيارة الأجرة من الباب، حملت "كريستينا" حقيبة سفرها. "أتمنى لك وقتاً ممتعاً" قالت الآنسة "ونستون" بينما كانت "كريستينا" تلوح لها بيدها وهي تدخل إلى السيارة. نظرت باتجاهي ولوّحت مرة أخرى، وابتسمت لي بازدراء وكأن لسان حالها يقول: لن تستوعب ذلك، لن أذهب إلى الحفلة العائلية في نهاية الأسبوع.
في ذلك اليوم في نيويورك، عندما أخذتني بين ذراعيها وعانقتني، تأكدت مرة أخرى، فازت بسحرها بسبب ألفتها الحيوية.
"أخبريني بكل شيء" قالت "كريستينا" وهي تجلس مرة أخرى، "دعينا نتناول بعض المشروبات، على الأقل آمل أن تتناولي مشروباً، فالجميع توقف عن الشرب، وعن التدخين، هل تهتمين بذلك؟" نظرت إلى بخوف وهي ترفع سيجارة.
"لا أهتم بذلك" أجبت، " لكن إدارة المطعم لن تسمح لك بذلك"، كنا نجلس في مطعم إيطالي صغير في نيويورك، حيث التدخين غير مسموح به.
لوّحت "كريستينا" بيدها، "أوه، لن يهتموا إذا ما دخنت" قالت، "لقد تحدثت مع النادل". وضع أحدهم منفضة السجائر إلى جانبها، أشعلت الولاعة لتشعل سيجارتها، فقد أدهشني ذلك، فإنني لم ِأشاهد أحداً يدخن في مطعم منذ سريان القانون. نظرت بعصبية باتجاه النادل لكنه اتجه يميناً عن الطاولة التي نجلس عليها حاملاً زجاجة من الخمر وهو يتجاهلنا تماماً. تساءلت فيما إذا كانت "كريستينا" سوف تطيع القوانين أم لا.
"ماذا حدث للجميع؟" سألت "كريستينا" ساحبة نفساً عميقاً من سيجارتها، ماصة وجنتيها إلى الداخل لفترة طويلة، زفرت، هزت رأسها وهي تنفث سحابة من الدخان الأسود. "غادرت لمدة سنتين، حيث جميع سكان نيويورك يتحولون إلى أشخاص فاضلين، ما هذا؟" ابتسمت لي، "أتوسل إليك أن لا تدخنين، هل تفعلين؟" قالت وهي تهز برأسها. "لا" اعترفت، " لكنني لن افعل ذلك بالتأكيد".
"لا، هذا جيد" قالت "كريستينا" وهي تتذكر. اتكأت إلى الخلف بمقعدها، وسحبت نفساً عميقاً من سيجارتها، ابتسمت مرّة أخرى، "لن تفعلي ذلك، لن تخالفي أيَّ قانون، إنك تجعليني أشعر وكأنني فتاة سيئة! أشعر أنني أشبه بالمجرمة!". ضحكت وهي تهز برأسها، "لكنك الآن أنت الرابحة الأكبر... إيه؟ اسمعي إنك الآن رئيسة مؤسستك! أل إكسينجيت!".
هكذا كانت "كريستينا" تتحدث، بجميع إشارات التعجب، والابتسامات القرمزية الكبيرة. أي شيء أكثر هزلاً عندما تقول ذلك. إن الاستماع إليها ، ومراقبة طريقة تدخينها، أشعر وكأنني قد مزقت، كما كنت دائماً في السابق، بين محبتي لها ببساطة، وأمنياتي النكدة بأنها لن تذهب بعيداً بكل شيء.
"تبدين مريعة" قلت، وهي الحقيقة.
توقفت "كريستينا" عن ثرثرتها ورمقتني بنظرة متفحصة. "أرجوك" قالت باندفاع، وهي تجول بعينيها، وضعت سيجارتها جانباً واستدارت إلى الناحية الأخرى، أقحمت رأسها إلى الخارج وهي تمد عينيها، بينما كان جزءاً صغيراً من الجلد يتدلى أسفل عنقها، مسحت بيدها على عنقها: "ماذا بشأن هذا الرعب؟ لكنه سينتهي". استدارت لتقابلني لامسة الخط الفاصل بين حاجبيها، "وهذا".
انخفض صوتي، "لقد قمت بتجميل وجهك؟" سألت بإلحاح.
هزت "كريستينا" كتفيها بإتقان وقالت: "لا أسميه تجميل، فقط الذقن، الخط الموجود في المقدمة، قليلاً من التغيير، ولكن.. هيي.. لا يوجد أحد كامل". التقطت سيجارتها مرة أخرى وأضافت: "باستثناء هذه الجراحة، آمل ذلك، اعتقدت أنه سيكون مميزاً، كان ذلك في البرازيل". توقفت عن الكلام لفترة قصيرة وهي تبتسم. ثم أضافت: "من المحتمل إنني أبدو كما لو أنني سعدان".
أعترف بأنني عندما سمعت ذلك، عن وجود وجه آخر، شعرت بقليل من الاندفاع نحو انتصار أدبي. أظافر قرمزية، حيث شيء واحد، اعتقدت، لكن وجهاً آخر كان شيئاً مختلفاً، اعتقدت أن وجهاً آخر، يُراقب بإفراط، ذهبت الآن بعيداً، يبدو لي أن الماكياج شكل مختلف عن الجراحة، واحترام النفس يجعلنا دائماً بعيدين عن الذي يليه. يجب أن يرسم الخط، وأن يكون محاطاً بالاستقامة، والصدق، والأمانة. كان الوجه الآخر بلا ريب في الطرف الآخر، الطرف البعيد، من ذلك الخط، كانت تلك النساء يحاولن أن يقللن من قدرة أنفسهن بمحاولتهن مواجهة الحقيقة البيولوجية من عمر يبدو واضحاً. أعتقد أن النساء اللواتي كانت تجاهد تتصرف بغباء، ، واللواتي لا تواجه كن يتصرفن بحكمة وثقة بالنفس. لذلك عندما أخبرتني ماذا تريدين أن تفعلي شعرت بالرجفة، كما فعلت عندما عظمت "كريستينا" شيئاً ما. شعرت بالصدمة في أنني أكثر أخلاقاً من الآخرين.
"أنت تقولين أننا سوف نتحرك عائدين إلى السلفادور؟سألت "كريستينا" وهي تسحب نفساً عميقاً من سيجارتها. "الصيف الماضي، عاد جميع الناس إلى هناك".
"هل يوجد أمان"، سألت.
"حسناً، لدينا عصابات وعناصر مسلحة تقوم بعمليات سطو مسلح، ولكن لا يوجد لدينا حالات اغتصاب، بحيث يمكننا القول أن السلفادور آمن من نيويورك" ابتسمت وهزت كتفيها، "إنه الوطن، حيث ترعرعت، لقد انتهت الثورة، والجميع يعودون إلى هناك".
زال اضطراب "كريستينا". لقد عادت إلى الوطن، بعد الثورة مع أطفالها الثلاث وزوجها، وهي لا تزال ثرية (غنية)، وبعد عدة أسابيع كانت تبدو وكأنها في الثامنة والعشرون مرّة أخرى، بدلاً من الثانية والأربعين.
أجد نفسي أتساءل إذا ما كانت سوف تستمر في الإفلات من الأشياء. لكني أعلم أن ذلك يبدو معنىً روحانياً، وأنا لا أحب هذا الجانب من نفسي. لذلك قلت لها بأنني سعيدة لأن بإمكانها العودة إلى الوطن الآن، وكنت أعني ما أقول. إنني أحب "كريستينا" بالرغم من أنني لا أحب الجانب غير المتسامح، أخبرتها أنني سعيدة لأن الخطر قد زال.
"حسناً" قالت "كريستينا"، وترددت مرّة أخرى، "لم ينته بالواقع بشكل كامل، إنه تقريباً قد انتهى، صح؟". نفضت سيجارتها، ورمقتني بابتسامة كبيرة ساطعة، "ومن يهتم".
* * *
في ذلك اليوم في سان سلفادور، قالت "كريستينا" للسائق أن يتوقف إلى جانب الشارع خلف السيارة التي توقفت لتوها لسبب ما، استغرق السائق وقتاً طويلاً ليقف خلف السيارة الأخرى، حيث كانت تقف في المكان الذي يجب عليها أن تذهب إليه مباشرة خلف الباب الخارجي، لذلك فإن "إليففرا" و "كونسولا" بإمكانهما الترجل من الباب إلى ممر المشاة في ساحة إليفيرا.
"آنديل.. آنديل.. آنديل.." قالت "كريستينا بسرعة، وهي تنحنى إلى الأمام. بدأ السائق وكأنه يريد أن يخبرها بشيء ما، لكن "إليفرا" تحدثت في نفس الوقت، حيث استدارت "كريستينا" باتجاه والدتها. توقفت سيارتهما مباشرة خلف السيارة الأخرى، فتحت "كونسولا" الباب لكنها لم تترجل. كانت تنتظر "إليفرا" التي كانت لا تزال تسأل "كريستينا" عن قطعة من الفضة كانت تعمل جاهدة لاسترجاعها.
"حسناً.. حسناً.. حسناً.." قالت "كريستينا" بسرعة كبيرة، "حسناً يا أمي، أنت على حق، سوف أنجز ذلك غداً، لم أعرف لماذا لم أفعل من قبل، أنت على حق، من الأفضل الإسراع في ذلك، حسناً". قالت مرة أخرى. بعد ذلك مباشرة أدركن النسوة الثلاث بأن شيئاً ما قد حدث.
انفتح الباب الذي تمسك به "كونسولا" فجأة وبقوة، بينما "كونسولا" ذات الشعر الأشيب، وملابسها الرمادية الناعمة، وتحمل حقيبة سوداء، انتزعت من ذراعها بقوة من السيارة، سقطت مرعوبة على العشب على طول الممر، في حين كان رجلاً يقف أما الباب يصوب بندقية أكبر من وجهه، وسحب "إليفرا" أيضاً إلى الخارج، بينما كان معظم الوقت يتكلم بسرعة.
"أخرج" كان يقول، "أخرج وإلاّ سوف أقتلك" كان يقول ذلك للسائق، "سوف أقتلكم جميعاً.. أخرجوا .. أخرجوا" ضرب "إليفرا" بينما كان يسحبها إلى الخارج. ترنحت ثم سقطت على العشب لا إرادياً خلف "كونسولا" التي كانت مستلقية على ظهرها، ورافعة ركبتيها. لا يوجد أحد في الشارع، وكان ممر المشاة خاوياً. وجميع المنازل مخبأة خلف الأسوار المرتفعة والأبواب المغلقة بالكهرباء.
"أخرج.. أخرج.. أخرج" قال الرجل موجهاً بندقيته اتجاه السائق. أشاح السائق وجهه جانباً وكأنه كان يعتقد أن بحركته هذه ستجعله في أمان. ثم انزلق خارج السيارة متهاوياً على ركبتيه. لقد حدث كل ذلك سريعاً" بلمح البصر" جلست العجوزتان بكل ثقلهما على العشب، والسائق بلباسه الرسمي (الغامق) يزحف على ركبتيه فوق الطريق المرصوف الصلب.
كان الرجل ذو البندقية يرتدي قميصاً وسروالاً أسوداً، وبدون سترة. له بشرة سوداء وشعر أسود كذلك. بينما كان وجهه مكسواً بالبثور (من أثر الجدري)، كان الغضب يتطاير من عينيه السوداوتين، وكأنه يوجد بهما ضغينة وهمجية، وكأن هذا هو كل ما هو موجود في داخله. سحب "كريستينا" من المقعد الخلفي، وطوقها بذراعه كما لو أنه يجلس معها على العشب، بينما كان يفتح الباب الأمامي، وهو يراقب كلاً من "الفيرا" و "كونسولا"، مصوباً بندقيته باتجاههما. سوف أتكلم.. سوف أتكلم.. وأخذ يتوعد أكثر وأكثر، بصوت مليء بالهمجية، والكثير من الحقد والكراهية، بحيث لا يشك في ذلك أحداً. انزلق في المقعد الأمامي ساحباً "كريستينا" باتجاهه تاركاً بندقيته مصوبة باتجاه العجوزتين، لا تتحركان وإلاّ قتلتكما.. أخذ يردد..
ظهر كل ذلك وكأنه فلم سينمائي، حدث كل شيء بدون أية محاولة من أي شخص لمنعه. انطلق بالسيارة، بينما السائق كان يزحف مبتعداً أكثر وأكثر عبر الشارع. لمعت عينا "كريستينا" بينما كان الرجل يضغط بمرفقه على عنقها وهي في المقعد الأمامي.
وكما يحدث في السينما، كل الأشياء كانت تحدث بوضوح أمام الناس هكذا حدثت الأشياء، كيف يصبح الشخص محفوفاً بالمخاطر؟ لقد شاهدت "كريستينا" بأنه لن تجد يد المساعدة تمتد نحوها، وأنها في داخل السيارة مع هذا الرجل وبندقيته، تاركة أمها وأطفالها و"كارلوس" خلفها بينما الرجل يغمغم بدون انقطاع، وبعاصفة مستمرة، سوف يقتلهم جميعاً.
حدث شيء آخر، أعلنت "الفيرا" التي كانت تناضل للوقوف، بصوت مرتفع أن "كريستينا" تم اختطافها في السيارة من قبل رجل مسلح، واستدارت وركضت بضع خطوات فوق العشب باتجاه مقدمة السيارة ورمت بنفسها باتجاهها. بينما كان قرطها الذهبي يومض بقوة على جسم السيارة الأسود.
"لا تأخذها" صرخت "الفيرا".. "لا تأخذها، إنها أم.. إنها أم.. ولها ثلاثة أطفال.. خذني أنا" ضربت "الفيرا" بيد امرأة ضعيفة على مقدمة السيارة وبخوف، وبدون شدة وبطريقة........، "خذني أنا" صرخت، بدا صوتها مرتفعاً وقاسياً.. "خذني أنا.. لا تأخذها.. لديها ثلاثة أطفال.. خذني أنا". رمت بنفسها على مقدمة السيارة بملابسها الحريرية ضاربة إياها بقبضتيها الواهنتين، بينما كانت أساورها الذهبية تضرب معدن السيارة، ووجهها الصارخ بالغضب يصطدم بالزجاج الأمامي.
حاول الرجل المسلح السيطرة على نفسه واستمر في الضغط على "كريستينا" بذراعه الملفولة إلى عنقها، بينما كانت يده الأخرى تلوح بالبندقية في الهواء. حاول أن يغلق باب السيارة والبحث عن المفتاح ليدير المحرك، ولكي يتجاوز هذه المرأة العجوز الغاضبة والمتمسكة بالمقدمة أمامه.
أنزل زجاج الباب وصرخ عليها: " لا نريد امرأة عجوز" وتابع صراخه بازدراء: " نريد المرأة الشابة".
ما أن قال ذلك حتى بدا أن كل شيء قد توقف للحظة بالنسبة إلى "كريستينا". كل شيء تبلور بوضوح في عقلها، سمعت الرجل المسلح وهو يصرخ، وبإمكانها التكهن بما سوف يحدث لاحقاً. كانت تشاهد السيارة وهي تغادر، ووالدتها ملقاة على الشارع منتحبة وتلوح بيديها في الهواء، وشاهدت نفسها وقد قيدت إلى مكان ما حيث أصدقاء الرجل المسلح في الانتظار، أخذت تشعر بالألم الذي ينتظرها من قبلهم. بإمكانها مشاهدة ذلك الذي سوف يؤدي إلى الموت، سوف يقتلونها، فهي لا تعني شيئاً بالنسبة لهم، سوف يرمون بجسدها خارج السيارة، من الممكن أن يجدوها على قارعة الطريق، وسوف تؤخذ إلى عائلتها وقد انتشرت الكدمات على جميع أنحاء جسدها الذي أصبح بدون لون، وسوف تبكي والدتها بشكل مفجع. هذا ما كان يدور في خلدها، التفكير بوالدتها عندما يجدون جثتها، بينما أولادها يغوصون شيئاً فشيئاً في أعماق الظلمة من الأسى والحزن، غيّر ذلك كل شيء بالنسبة إلى "كريستينا".
بينما كان الرجل المسلح يجذبها بقوة إليه، كان رأسه يميل خارج الشباك ليصرخ على والدتها التي كانت تصرخ عليه من خلال الزجاج الأمامي. دفعت "كريستينا" يده بكل ما أوتيت من قوة، وتحرك مرفقها بقوة لم تعهدها من قبل إلى المكان الأملس حيث تلتقيان ساقي الرجل المسلح بجسده، ما فعلته كان بالضبط كما لو كان ذلك في حلم حيث اعتقدت بأنها تمرنت على مثل هذه الضربة طوال حياتها استعداداً لمثل هذه اللحظة.
تجمد وجه الرجل المسلح كالحجر باتجاه المكان الذي ضربه مرفقها، وأخذ جسده يتكور على نفسه كما لو أنه يوجد بعض الأعمال السرية، تكوّر بشكل محكم على نفسه وهو ينخر. وقبل أن يبدأ رأس الرجل المسلح بالانحناء إلى الأسفل، وقبل أن يشعر بالانهيار، وجدت "كريستينا" نفسها تتحرك وتنـزلق من خلال الباب الأمامي، فاتحة الباب ومدحرجة جسدها خارجاً على العشب.
أخذت الأشِياء تتغير خارج السيارة، سحبت "الفيرا" نفسها عن مقدمة السيارة، وكان بإمكان "كونسولا" الوقوف على قدميها، ومن زاوية عينها، شاهدت "كريستينا" رجل المنـزل واقفاً في مدخل الباب المفتوح يشاهد المنظر وغضب والدتها.
"بروفيرو" صرخت "كريستينا" نحوه بكل قوة، "هاتف الشرطة، "كدنابرز".. لصوص! أخبر الشرطة". جاء الآن دورها، بدأت تصرخ بأعلى صوتها وبصوت همجي غاضب. غادر الرجل المسلح السيارة وأطلق ساقيه للريح باتجاه السيارة الأخرى التي كانت تقف أمامه.
اعتقد السائق بأنه سوف يتم مطاردته، لذلك استلقى بدون حراك، كما لو أنه قد فارق الحياة، كي لا يطلق عليه النار. فتح الرجل المسلح باب السيارة الخلفي وقفز إلى داخلها، وقبل أن يغلق الباب ، بدأت مؤخرة السيارة تتمايل يميناً ويساراً وانطلقت بأقصى سرعتها عبر الشارع. كانت سيارة حمراء قديمة أمريكية لم يتم العثور عليها.
* * *
حدثتني "كريستينا" بكل ذلك بينما كنا نتناول طعام الغداء، كان المطعم الذي نجلس فيه جميلاً وممتلئاً بالنساء ذوات الشعر الأشقر المقلم، يرتدين ملابس أنيقة لامعة وأقراطاً ذهبية. بينما الندلاء الإيطاليون يرتدون مآزر بيضاء فوق سراويل سوداء وقمصان ذات أكمام بيضاء طويلة، مثنية إلى الأعلى.
أخبرتني القصة بنفس الطريقة التي تتحدث بها عن أي شيء، باستخدام علامات الاستفهام، والتوقف، وهي تدير عينيها، قالت بطريقتها المتهورة المرحة، بينما كان الرجل المسلح يضغط على حنجرتها بشكل همجي فقد كان ذلك مضحكاً ومسلياً، عندما كان أطفالها الثلاثة يترنحون على شفير الأسى، كان ذلك مسلياً، وعندما كانت والدتها تضرب بيديها الواهنتين مقدمة السيارة وصارخة بغضب من خلال الزجاج الأمامي، لقد كان ذلك مسلياً، أما هروبها الجريء والشجاع، قد كان أيضاً مسلياً، حتى العالم الذي كان ينتشر بشكل همجي متسلسل والمغامرات المرحة التي أختيرت لتشاهد بشكل باطل وهي تعلم بالضبط ما هو الخطر المحدق بها وأنهم جادون فعلاً، فقد كانت تتحدث بجرأة وحزم وسرعة لكي تكسر القوانين، أية قانون على الإطلاق، حيث الآثار الطبيعية، والشائعة، والتافهة والجديرة بالإهمال. كانت تتحدث كما لو أنها تتحدث للمتعة فقط، وجميع الأشياء البسيطة تستجيب لها، فهي تشبه السباحة التي تلقي بنفسها فوق الأمواج العاتية.
غفرت "لكريستينا" الفودكا، وحفلة نهاية الأسبوع، والتدخين، والوجه الآخر، والأطفال، لقد غفرت لها كل شيء.
***

روكسانا روبنسون

روكسانا روبنسون روائية، وكاتبة سيرة، ومحررة في مجلة ، وأستاذة في جامعة "هيوستن" في مساق صقل الكتابة. نشرت في عام 1999 "الحياة" ، ورواية "ضوء الصيف" في عام 1988، ورواية "هذه ابنتي" في عام 1998. تمت مقارنة إنتاجها بـِ "جون شيفر" ومن السلف مع "هنري جيمس".
تقول فيها "دونا بارات لينش":
"هادئة، ورابطة الجأش، ذات حيوية ونشاط عقلي ونضوج عاطفي".



سمير اليوسف: عضو رابطة الكتاب الأردنيين
ص.ب 141091
عمان 11814
الأردن

سمير اليوسف
 


 
اسمك:
بريدك الإلكتروني:
الدولة:
التعليق:

لن يتم نشر التعليقات الجارحة لكاتب المقال

  

 
 
 
 
 
 

 
 

اسم المستخدم :

الرقم السري :

 

إذاعة هستيريا للموسيقى الكلاسيكية

سجل بريدك

 إضافة حذف


Untitled 1 Untitled 1 Untitled 2 Untitled 1

 Alriyadh logo